أحمد بن علي القلقشندي

196

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يسري إلى أعدائه رهب ممّا يبث الناس من خبره فاللَّه ربّ النّاس فاطرنا يؤتيه ما يربي على وطره ! ! الصنف الثاني ( من الرسائل ما يرد منها مورد المدح والتّقريض ) إما بأن يجعل المدح مورد الرّسالة ويصدّر بمدح ذلك الشّخص المراد ، وإما بأن يصدّر بما جرية ( 1 ) يحكيها المنشيء ويتخلَّص منها إلى مدح من يقصد مدحه وتقريضه ، وما يجري مجرى ذلك . وللكتّاب وأهل الصّناعة في ذلك أفانين مختلفة المقاصد ، وطرق متباينة الموارد . وهذه نسخة رسالة أنشأها أبو عمرو عثمان بن بحر الجاحظ سمّاها « رسالة الشّكر » قصد بها تقريض وزير المتوكَّل وشكر نعمه لديه ، مصدّرا لها بذكر حقيقة الشّكر وبيان مقاصده ؛ وهي : جعلت فداك ، أيّدك اللَّه وأكرمك وأعزّك ، وأتمّ نعمته عليك وعندك . ليس يكون الشّكر - أبقاك اللَّه - تامّا ، ومن حدّ النّقصان خارجا ، حتّى يستصحب أربع خلال ، ويشتمل على أربع خصال : أوّلها : العلم بموقع النّعمة من المنعم عليه ، وبقدر انتفاعه بما يصل إليه من ذلك : من سدّ خلَّة ، أو مبلغ لذّة وعلوّ في درجة ، مع المعرفة بمقدار احتمال المنعم للمشقّة ، والذي حاول من المعاناة والكلفة في بذل جاه مصون ، أو مفارقة علق ثمين . وكيف لا يكون كذلك ؟ وقد خوّل من نعمه بعض ما كان حبيسا على حوادث عدّة ، فزاد في نعم غيره بما انتقص من نعم نفسه وولده . فكلَّما تذكَّر الشاكر ما احتمل من مؤونة البذل ، سهل عليه احتمال ما نهض به من ثقل الشّكر . والخصلة الثانية : الحرّيّة الباعثة على حبّ المكافأة واستحسان

--> ( 1 ) وتجمع على « ما جريات » ، أي الحادثة والواقعة .